دروس في مادة الفلسفة
نقدم دروس في الفلسفة لفائدة تلاميدالبكالوريا بالاضافة الى بعض المتفرقات
العدالة

العدالة

(La Justice)

 

 

 

 

قد يظهر مفهوم العدالة مرتبطا بمفاهيم أخرى كالحق، والحرية والمساواة إلى غير ذلك من المفاهيم ؛ مما يؤدي إلى التساؤل حول أهمية العدالة وحضورها في المجتمع وارتباطها بحقوق الإنسان وبالأخلاق... ومن ثمة تطرح التساؤلات التالية نفسها : هل هناك فعلا عدالة ؟ أم أن العدالة مجرد مثال يصعب تحقيقه والوصول إليه ؟ هل العدالة قيمة مطلقة أم نسبية ؟ وأخيرا ما هو البعد الأخلاقي للعدالة باعتبارها قيمة؟

1 ـ العدالة كقيمة أخلاقية عليا

كان السفسطائيون من أوائل من عالجوا إشكالية العدالة ؛ وقد كانت قناعاتهم الفلسفية تقوم على اعتبارات ترتبط بالشك المذهبي ، فكانوا يعتبرون الفرد مقياس كل شيء. وعلى هذا الأساس اعتقد السفسطائيون أن العدالة غير موجودة أو على الأرجح، إنها مفهوم غامض وقيمة لا يؤمن بها إلا الضعفاء. وكان غلوكون يعتمد ـ في شرحه للموقف السفسطائي ـ على أسطورة جيجيس Gygès ذلك الراعي البسيط الذي اكتشف أن تحريك خاتم في إصبعه يخفيه عن أنظار الناس، فجعله ذلك يتنكر لمبادئه الأولى حول العدالة.

وقد أتت الأطروحة الأفلاطونية لتدحض الفكر السفسطائي، علما بأن أفلاطون لا يؤمن بالمفهوم الديموقراطي للعدالة. حيث أكد أفلاطون، بصريح العبارة، أن العبيد واهمون حينما يعتقدون في المساواة، لأن العدالة لا يمكنها أن تكون كذلك أبدا لأن الناس خلقوا غير متساوين بطبعهم (أسطورة المعادن). ومن ثمة، فإن العدالة تتجسد عمليا في المجتمع إذا انصرف كل واحد إلى ما هو مؤهل له بطبعه. فيجب أن يكون التقسيم الطبقي للمجتمع، متطابقا مع تقسيم قوى النفس (القوة الشهوانية، والقوة الغضبية، والقوة العاقلة). والحكمة تقتضي أن تخضع القوتان الشهوانية والغضبية إلى القوة العاقلة، لتصل القوة الشهوانية إلى فضيلتها التي تتجلى في العفة والاعتدال ؛ وتسمو القوة الغضبية إلى فضيلتها التي تتمثل في الشجاعة. .

إن قيمة العدالة هي التي توجه قوى النفس وتضمن تراتبيتها باعتبارها فضيلة الفضائل. وعلى غرار النفس، لا يمكن أن نضمن مدينة مثالية – في نظر أفلاطون - دون أن يضم المجتمع ثلاث طبقات (علاوة على طبقة العبيد)، وهي : طبقة العامة، وطبقة الجند، وطبقة الحكام، وهم الفلاسفة الذين عليهم الانصراف إلى إدراك العدالة كقيمة عليا ترتبط بعالم المثل. .

أما أرسطو، وإن كان هدفه محاربة الفكر السفسطائي، إلا أنه يختلف مع أفلاطون في تمثله للعدالة، حيث يرى أرسطو أن العدالة تتمثل نظريا في الوسط الذهبي (لا إفراط ولا تفريط) الذي يستطيع وحده أن يضمن الفضيلة. وعلى هذا تتأسس العدالة العملية، التي تتجلى بالخصوص في توزيع الثروات بين الأفراد بطريقة رياضية تناسبية (بمعنى أن العدالة تقتضي أن يتقاسم الأفراد بينهم بطريقة عادلة الصالح والطالح)، كما تتجلى في سن قوانين قمينة بضمان الأمن والسكينة والإنصاف لسكان المدينة وتقوم العلاقات بين أفراد المجتمع على صداقة حقيقية ومثالية.

وقد خرج مفهوم العدالة من الإطار الميتافزيقي، مع الفلسفة السياسية التي دشنتها فلسفة الأنوار، حيث نجد الفيلسوف الإنجليزي دفيد هيوم D. Hume يحاول أن يتكلم انطلاقا من تبعات الثورة الصناعية وروح الثورة الفرنسية ؛ فربط العدالة بالرفاهية التي يجب تحقيقها للفرد بوصفه مستهلكا مما سيؤدي إلى احترام القوانين والالتزام بها. وهذا ـ في اعتقاده ـ لن يتحقق إلا بضمان الحرية الفردية التي يمكنها أن تتبلور مع الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج علاوة على التصنيع، والتقنية. وهذا، فعلا، يجسد تلك الروح الليبرالية التي تعتقد أن الدولة توجد في خدمة الفرد وليس العكس. ويعتقد مونتيسكيو Montesquieu أنه لا يمكن ضمان العدالة الفردية إلا بفصل السلطات الثلاث [التشريعية، والتنفيذية، والقضائية] . إلا أن بانجمان كونسطان B. Constant يعتقد أن على الفرد كذلك واجبات تجاه الدولة، فعلى الفرد أن يضحي بجزء من حريته، وبجزء من ثروته خدمة للصالح العام.

إذا تجاوزنا هذا الطرح الفلسفي السياسي، فإننا نصادف الفيلسوف الألماني كانط Kant يحاول أن يؤطر العدالة في إطار معياري أخلاقي. لأن العدالة ـ في نظره ـ قيمة أخلاقية ترتبط بثلاثة معايير أخلاقية هي : الحرية، والكرامة، والواجب. فالإنسان موجود حر يملك كرامة تفوق كل سعر، ويعمل كذلك بمقتضى الواجب الأخلاقي الذي يتطلب من الفرد أن يعمل كما لو كان أسوة لغيره من الأفراد، وأن يسلك كما لو كان مشرعا وفردا، وأن يتعامل مع الآخرين من خلال احترام متبادل يمليه عليه احترامه لنفسه. لا يمكن للعدالة أن تتجسد ـ إذن ـ إلا من خلال إعمال عقل أخلاقي عملي، يسمو به الإنسان فوق كينونته الطبيعية.

2 ـ نقد العدالة كقيمة أخلاقية

إن هذه التمثلات وغيرها لم تكن دون أن تشهد اعتراضات من بعض الفلاسفة، فنجد نيتشه يشك في إمكانية وجود عدالة. حيث يعتقد هذا الفيلسوف أن منطق القوة وحده يؤطر السلوك البشري، فإرادة القوة تفترض هيمنة أخلاق القوة (أخلاق السادة). أما المساواة والحرية ..، فهي من شيم الضعفاء ؛ ومن الطوباوية الاعتقاد بأن العدالة يمكنها أن تؤطر العلاقات بين الأقوياء والضعفاء. فالعدالة لا تكون إلا بين الأقوياء الأنداد.

أما الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو M. Foucault ، فيعتقد أن العدالة ليست قيمة أخلاقية، لأنه يغلب عليها الطابع المؤسسي (أو المؤسساتي) : فالمجتمع يعمل من خلال مؤسسات تعمل بطريقة سلطوية، تقوم بنشر مفهوم معين للعدالة، وتسهر على احترامه وتنفيذه، ولا تطلب من الفرد إلا أن يكون خاضعا طيعا.

يلاحظ من خلال الطروحات السابقة، أن الأفكار توزعت بين من يؤمن إيمانا قطعيا بالعدالة ومن يشك في وجودها دون أن يعني ذلك أن هناك إجماع حول تمثل العدالة بصورة واحدة. ولكن ألا يحق لنا، أن نواجه من يشك في وجود العدالة كقيمة أخلاقية بالتأكيد على أن المجتمع الذي يتأسس على العدالة يضمن أكثر للإنسان إنسانيته ويحفظ له كرامته ؟ ! فمن الأفضل أن يأمل الإنسان في مثل وقيم من أن يعيش بدون مبادئ...

 

أضافها 2bac3 @ 09:44 م
خبّر عن هذا المقال: KhabberDel.ici.ousDiggRedditY! MyWebGoogle Bookmarks
(0) comments


Add a Comment



Add a Comment

<<Home
كل الحقوق محفوظة لصاحب الموقع علي دياني @c@